الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
199
شرح ديوان ابن الفارض
والمعنى : أمسى ملابسا لنار جوى ملأت أحشاءه وأصابتها يرى من تلك النار الإيقاد ولا يرى منها إنقاذا وخلاصا وإنما هي مستمرة باقية على الدوام . ولا يخفى الجناس بين حشت وأحشاءه ، وبين الإيقاد والإنقاذ . ( ن ) : أمسى : أي دخل في المساء وهي ظلمة الأكوان واسمها ضمير راجع إلى الشجي المقدّم ذكره فإنه محترق بنار شوق إلى حبيبه يراها متّقدة ولا يرى مناصا منها . اه . حيران لا تلقاه إلّا قلت من كلّ الجهات أرى به جبّاذا [ الاعراب ] الحيران من لا يهتدي لسبيله ، والمراد بالجهات الجهات الست . والجباذ فعال من جبذه بمعنى جذبه وليس مقلوبه بل هي لغة صحيحة . وحيران : خبر مبتدأ محذوف ، أي هو حيران أو حال من فاعل يرى في البيت السابق ، وجملة قلت بعد إلا حال والاستثناء مفرّع ، أي لا تلقاه في حال من الأحوال إلا في حال قولك أرى به جباذا من سائر الجهات ، وهذه الحال هنا لا تحتاج إلى تقدير قد نصّ عليه المحقّق التفتازاني . قال في المطوّل قبيل باب الاستثناء كثيرا ما تقع الحال بعد إلا ماضيا مجرّدا عن قد والواو نحو ما أتيته إلا أتاني . وفي الحديث ما أيس الشيطان من بني آدم إلا أتاهم من قبل النساء ، وذلك أنه قصد لزوم تعقيب مضمون ما بعد إلا لما قبلها فأشبه الشرط والجزاء ، وهذه الحال مما لا يقارن مضمونه مضمون عامله إلا على تأويل العزم ، والتقدير ما أيس الشيطان من بني آدم غير النساء إلا عازما على إتيانهم من قبلهنّ ، كقولهم خرج الأمير معه صقرا صائدا به غدا ، جعل المعزوم عليه المجزوم به كالواقع الحاصل ومن كل الجهات متعلق بأرى أو بقوله جباذا . وكذا به والباء بمعنى في وإنما جعل الجباذ فيه لأنه عبارة عمّا في قلبه من الحيرة التي أوجبت له عدم القرار وأزالت عن قلبه وصف الاصطبار ، فالجباذ ليس خارجا عن ذاته . وأرى هنا بصرية والجملة من الفعل والفاعل والمفعول مقول القول . والمعنى : هذا الشجي حيران لا يهتدي لسبيله وإن من لقيه يقدّر عليه أن به وفي باطنه جباذا يجذبه من سائر الجهات وإلى ذلك أشرت حيث قلت من قصيدة : ما زلت أطلبه في كل ناحية * فينظر الناس مني فعل حيران ( ن ) : حيران من كثرة تراكم الظهورات الإلهية على قلبه في الأضداد والأمثال الكونية وبه جباذ يجذبه من كل الجهات لانكشاف المعنى الإلهي له . اه .